رحيل "داعية السلام والتعددية" السوري جودت سعيد في استنبول
توفى المفكر الإسلامي السوري جودت سعيد، ليوم الأحد 30 كانون الثاني/يناير 2022، عن عمر ناهز التسعين عاماً.
وبحسب مصادر سورية, جودت سعيد مفكر إسلامي معاصر، سوري شركسي، ولد عام 1931، و ينحدر من قرية بئر عجم التابعة لمحافظة القنيطرة جنوبي سوريا، ويعد من أبرز المفكرين الذين يشكلون امتداداً لِمدرسة المفكرين الإسلاميين القدماء أمثال "مالك بن نبي" و"محمد إقبال".
درس جودت سعيد العلوم الشرعية في مصر والسعودية، وله العديد من المؤلفات التي تناولت مواضيعاً وأبحاثاً فكريّة واجتماعية، ومن أبرز مؤلفاته "حتى يغيروا ما بأنفسهم 1972" و"كن كابن آدم 1997".
من أبرز مؤلفات الراحل "مذهب ابن آدم الأول، اقـرأ وربـك الأكرم، الديـن والقـانـون، حتى يغيروا ما بأنفسهم، كــن كـابـن آدم، العمل قدرة وإرادة، رياح التغيير، مفهوم التغيير، الإنسـان كلاً وعـدلاً، فقدان التوازن الاجتماعي".
اشتهر بالدعوة إلى التغيير بالطرق السلمية، وبِالإقناع لا بالإكراه، وبمقولته: "الإنسان بإقناعه يعطيك روحه وماله، وبِإكراهه لا يعطيك إلا الكذب والنفاق والغدر".
وصنف البعض جودت سعيد بأنه "داعية اللاعنف"، بسبب فكره الذي يتماشى مع "سياق عالمي" يدعو للسلام وينبذ العنف، ويلهم الكثير من ناشطي حقوق الإنسان.
شبه أسلوب المفكر السوري بطريقة السياسي الهندي البارز "المهاتما غاندي"، الذي يعتبر رمز الحرية في الهند والعالم، لذا لقّب البعض جودت سعيد بـ "غاندي العرب".
ومع ذلك عرف سعيد بتوضيح أفكاره والاستدلال عليها، من منطلقات إسلامية قرآنية، من دون الإحالة إلى "غاندي" أو الأمريكي "مارتن لوثر الابن" الذي شبه به أيضاً.
في المجتمعات ذات الغالبية المسلمة مثل سوريا، لا يخشى المفكر السوري من التنوع والتعددية، ويؤكد أن الاتحاد الأوروبي خير مثال على ذلك، فقد اتَّحدَت دُوَله العديدة بما فيها من قوميات وأديان ومذاهب مختلفة.
من خلال بعض مؤلفاته، يعتقد جودت سعيد أن قوة الاتحاد الأوروبي تَحقّقت بفضل الديمقراطية، بسبب دوله التي اكتشفت أن مصالحها الحقيقية في تضامنها، وليس في اقتتالها.
لا ينتمي جودت سعيد، إلى أي "تيار، طريقة، جمعية دينية وغير دينية" وظل مفكراً مستقلاً منذ بداياته، وعمل أستاذ للغة العربية في ثانويات دمشق، وكان خلال ذلك يحاول نشر أفكاره عن اللاعنف وضرورة إصلاح الفكر الديني.
نقلته إدارة البلاد التعليمية إلى مناطق مختلفة، ورغم ذلك واصل عمله الفكري، وسعيه للتغيير، فاعتقل خمس مرات، وفي أواخر الستينيات حظرت عليه الدولة السورية مهنة التعليم بشكل نهائي.
عام 1973 قرر جودت سعيد العودة لمنزله وقام بترميمه للإقامة فيه، واستقر هناك برفقة عائلته، وعمل في الفلاحة وتربية النحل، لضمان استقلاله الفكري، ليواصل ما بدأ به من نشر أفكاره الإصلاحية.
سعيد لم يتخلّى عن مبادئ اللا عنف، حتى عندما قام الحراك الشعبي السوري عام 2011، وظل الراحل مخلصاً لأفكاره، مقتنعاً أن "العنف سيمنح ذريعة لممارسة عنف مضاد".
عام 2013 وبعد عامين من بدأ الحراك الشعبي في سوريا، وتحوله للحرب، قتل شقيق جودت سعيد ودمرت قريته، ما أجبره وعائلته لمغادرة البلاد نحو تركيا، ليستقر في ولاية إسطنبول.
حول الأوضاع في سوريا، يؤكد جودت سعيد أن العنف لا يحل المشاكل، وأن كلفته كبيرة، ونتائجه كارثية، خاصة مع تقدم العلم واختراع أسلحة الدمار الشامل، وأن لا إكراه في السياسة أو المجتمع أو الدين أو أي جانب من جوانب الحياة.
(المفكر السوري جودت سعيد - موقع تعددية)